موقف ابن
عابدين
الفقيه
من
الصّـوفية
والتصـوّف
Mawqif Ibn
Abideen Min al-Sufiyya wa’t-Tassawwuf
***
دراسة
تحليلية
وانتقادية
حول مضمون
رسالة
»سلِّ
الحُسام
الهندي في
نُصرة مولانا
خالد النقشبندي«
لمؤلّفها:
الشيخ محمد
أمين المعروف
بابن عابدين
***
كتبه:
فريد
الدين بن
صلاح
بن عبد الله بن محمد
الهاشمي
Feriduddin
AYDIN
البريد
الألكتروني
للشيخ فريد
الدين
أسطنبول – 1993م.
الطبعة
النانية -2003م.
Süleymaniye
Vakfı İlmî araştırmalar Merkezi Yayınları
بسم
الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله
رب العالمين،
والصلاة
والسلام على
سيّدنا محمد
وعلى آله
وصحبه أجمعين.
أمّا
بعد،
فهذه
دراسةٌ
تحليليّةٌ
حول مضمون
رسالة سلِّ
الحُسامِ
الهندي في
نصرة مولانا
خالد النّقشبندي،
لمؤلّفها:
الشيخ محمد
أمين المعروف بابن
عابدين.[1][1] فقمتُ
بهذه
الدّراسةِ
بناءً على
طلبٍ من العالم
الفاضل الفقيه
الكامل
الدكتور
الشيخ عبد
العزيز أبي
محمد سلجوق
بَايِنْدِرْ،
رئيسِ هيئة
الفتوى بدار
الإفْتاءِ
الشَّريفةِ
بمدينة إسطنبول.
فطالعتُ
هذه الرسالةَ
بإلْمَامٍ
واهتمامٍ. فهي
تتضمّنُ
مقالةً
ردِّيَّةً
كَتَبَهَا الفقيه
محمد أمين
المعروف بابن
عابدين؛ ردَّ فيها
على تُهَمٍ
قُصِدَ بِها
الشّيخ خالدٌ
البغداديُّ
النقشبنديُّ.
(1778-1826م.). فنقلتُ
مقاطِعَ هامّةً
من هذه
الرّسالةِ
وأتْبَعْتُ
كُلَّ فقرةٍ
بملاحظاتٍ
مناسبةٍ، ثم
اختتمتُ
كلامي بالحُكمِ
النّهائِيِّ
في مضمون هذه
الرسالةِ على
سبيل الإجمال
وفي ضوء
الكتاب
والسّنةِ.
أسأل
الله تعالى أن
يجعلها لوجهه
الكريمِ، وأن
يُرشِدَ
بِهَا كُلَّ
مَنْ يبحث عن
الحقيقة وهو
يهدي السّبيل.
فأقول
مستعينًا
بالله تعالى؛
قال ابنُ عابدين:
»فَأَلَّفَ
بَعْضُهُمْ
رِسَالَةً...إلخ.«. (ص/2). ولم
يذكر اسم
المؤلّفِ في
البداية على
سبيل
الاحتقار، ثم قال
مشيرًا إلى
الشيخ خالد
البغداديِّ: »الإمام
الشهير،
والعارف
الكبير...إلخ.«. وبالغ في
تعظيمه إلى أن
قال: »وهو
الإمام
الأوحدُ،
والْعَلَمُ
المفردُ، والهمامُ
الماجدُ،
حضرة سيّدي
الشيخ خالد...إلخ.«. وأضاف إلى
ذلك ما لا
يستسيغُهُ
الفقهاءُ ولا
يستحسنه
العلماءُ ممّا
يُزَعْزِعُ
ثقة المسلم
المثقّف أن
يجعله في عداد
الفضلاءِ
العدول.
قال:
»وَاشْتَهَرَ
به الطّريقةُ
النّقشبنديّةُ
الواضحةُ
الجليّةُ...إلخ.« (ص/3)، فإظهر
بمثل هذا
الإمتداح
انحيازه إلى
طائفةٍ من
الفِرَقِ
الْباطنيةِ
(وهي النقشبنديةُ)
فأظهَرَ
بذلِكَ أنّه
غيرُ
مُحَايِدٍ
على أقلِّ
تَقْديرٍ. بل
هو متعصّبٌ
لأهل
الطُّرُقِ
الصُّوفيّةِ
ومخالفٌ لموقف
علماء
الإسلامِ من
الباطنيةِ
وأباطيلهم. وفضلاً
عن هذا، فقد
أطنب ابن
عابدين
بمدائح متواصلة
لهذا الشيخ
تعظيمًا
وتوقيرًا له؛
ولم يقف عند
هذا الحدِّ،
بل ازْدَادَ
مجاملةً، فتصنّع
بمدح سلطان
زمانه
تَزلُّفًا
إليه دونما قرينةٍ،
وتكلّفَ في
مداهنته له
بعباراتٍ خلاَّبةٍ،
وخطاباتٍ
برّاقةٍ
تَمَلَّقَ
فيهَا من غير
مناسبةٍ
كقوله: »أدام الله
طلعته
السّعيدة في
أفق الزّمان
كوكبًا
منيرًا،
وخلّد ذَا
لآراء
السّديدة في باهي
مملكته عضدًا
ووزيرًا...إلخ.« فخالف
بهذه اللّهجة
المتصنّعة
الموقِفَ المستنكفَ
المتأنّفَ
لعلماء
الإسلام من
أهل السّلطةِ
والمناصِبِ.
ثمّ تابع ابن
عابدين كلامَهُ
بأسلوب
العوامّ
يذبُّ عن هذا
الشَّيخ إلى
أن استدلَّ
بشهادةِ مفتي
دمشق السّيّد
حسين أفندي،
وَأسهب في
مدحه
باستعاراتٍ
وتعبيراتٍ
مجازيةٍ
استعرض فيها
بلاغتَهُ
وباعَهُ
الطّويلَ في
العلوم
العربية
وآدابها وقواعدها
على غرار
ملالي[2][2] الأكرادِ،
حتّى غدا
كأنّه امتدح
نفسَهُ بمدح
غيره، وكفى
بذلك ملامة أن
يقال: »إنَّ هذا
قد أثنى على
نفسه. «لأنه ما
ادّعى أحدٌ
علمًا أو قصد
ذلك بطريقة ماّ إلاَّ
رُمِيَ
بالجهل. ثمّ
قال ابن
عابدين: »فبادرتُ
إلى
التّوجّهِ
والإقبال على
الطّاعةِ
والامتثال
لسؤالهِ (أي
المفتي)، بلا
إهمالٍ ولا
إمهال،
فجمعتُ هذه
الأوراق...« إلى أن قال: »شَهِدَتْ
بِبَرَاءَةِ
سَاحَتِهِ
المحتَرَمَةِ
(الضمير راجع
إلى الشيخ
خالد)، عامّةُ
أهل البلادِ
من النّاس...
منهم مفتي
الأنام في دمشق
الشَّام،
السّيد حسين
أفندي...إلخ.« وتفنّن
ابن عابدين
بعد ذلك في
صياغة مدح هذا
المفتي، ثمّ
انتقل إلى سرد
ما هو بصدده،
فقال: »اعْلَمْ
أنّي أُريد أن
أكشفَ لك
الغطا، وأنبِّهَكَ
على بعضِ ما
وقع في تلك
الرسالة من
الْخَطَا،
لأَلاَّ
تَزِلَّ بِكَ
الْخُطىَ (بضمّ
الخاء
المعجمة، وهي
جَمعُ
خُطْوَةٍ)،
كُلُّ
هَذِهِ
الصِّيَغُ
المسجَّعَةُ
تدلّ على
اهتمام ابن
عابدين
بالقشرِ وليس
باللُّبِّ.
إذْ نشاهد من
خلال كلامه
أنّه مفتتنٌ
بزخارف القول
ليسحر بها
العقول وهو
منهمك في الدّفاع
عن خالد
البغداديّ
لسببٍ غيرِ
شديدٍ، إذ ينقل
من كلامِ
الشخص الّذي
نال من خالد،
فَعَادَ
يُهَاجَمُهُ
بقولِهِ:
قال
ذلك الزاعم
المزاعم:
(كلاهما اسم
فاعل من أصل
واحد،
والموالاة دلالةٌ
على
التّشْديد). ومن
جملة ما نقل
ابنُ عابدين
من كلام هذا
الشخصِ الّذي
لَمْ
يُسَمِّهِ في
البداية،
يفيد: أنّ
الشيخَ
خالدًا يقوم
بتسخير
الجنِّ، ويستعين
بالأرواح
الأرضية
الخبيثة،
ويدّعي علمَ
الغيبِ عن
إخْبار
الجانِّ له،
ويدّعي أنّه قَتَلَ
وَرَبَطَ
كثيرًا من
العفاريت
والجانِّ، كلّ
ذلك بإقراره
مع أنّه يدّعي
الولايةَ والإرشَادَ
في الوقتِ
نَفْسِهِ.
ثمّ
يستطردُ هذا
الشخصُ
قائلاً: »فلمّا
كان
السُّؤَالُ
متعلِّقًا
برجُلٍ مُشَخَّصٍ
مُعَيَّنٍ
مذكورٍ
باسمه، اقتضى
التوقّف
والتفحّص عن
أحواله
ليتحقّق عندي
جميعُ ما في
السّؤال...«
فيدلّ
كلامُ (هذا
الشخص
المجهولِ)
الّذي
استرسلَ فيه
أنّه قد
فَحَصَ
وفتّشَ
الأمرَ
وَبَحَثَ،
حتّى شهدتْ
جماعةٌ بكلِّ
ما قد سَجّله
من أمر هذا الشيخِ،
وذكر أسماء
بعض
المعروفين من
هؤلاء الشهود،
وهم: الشيخ
إسماعيل
النقشبندي،
والشيخ أحمد
علي آغازاده
الكردي،
والشريف
أفندي الدياربكري.
كما
أنّه بعد
وصفِهِ
أتباعَ الشيخ
خالد بـ (الفرقة
الخالدية
الضَّالة
المضلّة)،
أضاف قائِلاً:
»بِأنّه
لم يُنْكِرْ ولم
يَكْتُمْ أحدٌ من
هؤُلاءِ ما
نُقِلَ عن
شيخهم؛ بل
أقرّوا
بِأنَّ
الشيخَ
خالدًا نفسهُ
يفتخر بما
يظهر منه من
هذه الأمورِ
ويعدُّهُ من جُملَةِ
خوارِقِهِ
وعلامةِ
ولايتِهِ«.
ثمّ
لخّصَ هذا
الشخص مقالته
فقال: »فَثَبَتَ
عندي صدقُ ما
في السؤالِ (...)،
فبادرتُ إلى
الجواب (...) ومن
كتم علمًا
أُلجِمَ
بلجَامٍ من
النار. فأجبتُ
متوكّلاً على
الله التوّاب
قائلاً
بِأنّه ساحرٌ
بِالإجماعِ.
أي باتّفاق
المحقّقين من
علماءِ
المذاهب
الأربعةِ«.
قال
ابن عابدين:
هذا نصّ
كلامِهِ. (ص/5)
***
بعد
هذه
النقولات،
بدأ ابن
عابدين
بمعاتبة هذا
الرجلِ ورميه
بالتعسُّفِ
والمجانبةِ
عن طريق
الإنصافِ من
جهةٍ، كما وقف
بجانب الشيخ خالد
موقف المدافع
المتحمّسِ
المفتدي من جهةٍ
أخرى.
ومن
الغريب أن ابن
عابدين
الفقيه يعبّر
عن فائِقِ
إعجابِهِ
بالشيخ خالد
الصّوفيِّ
بقوله:
»فإنّ
الّذي
شاهدناه من
حالتِهِ
البديعةِ (...) إحْيَاؤُهُ
بُقَعَ
الْمَسَاجِدِ
والخَلَوَاتِ
بإقامة
الأذْكَارِ
والأورادِ
والصّلواتِ...إلخ.« كأنّ
إحياء
المساجد
مقصورةٌ على
صلوات
الصوفيةِ
وأورادِهِم
وأذكارهم الّتي
أكثرها
مستحدثاتٌ
وبِدَعٌ
وحفلاَتٌ سرِّيَّةٌ
وحلقاتٌ
شيطانيةٌ
وشطحاتٌ
وخرافاتٌ
إسرائيليةٌ
وضجيجٌ
ومبالغاتٌ
وهذياناتٌ
مستورثةٌ من
البوذيةِ
والمانويةِ
والشامانيةِ
وغيرها من
الأديان
الوثنيةِ ومن
التيارات
الفلسفيةِ. كلّها
مخالفةٌ
لأذكار رسول
الله صلى اله
عليه وسلم،
وَمُنَافِيَةٌ
لِمَجَالِسِهِ
وأحوالهِ
ومناسكهِ
ونوافله
الطيِّبةِ
الشّريفةِ
الثابتةِ في
سنّتِهِ
النّبوية
الطاهرةِ البيضاءِ.
ثمّ يدّعي ابن
عابدين: أنّ
هذا الشيخَ
كان له بعض
مريدين قد
طردهم
فتطاولوا
عليهِ بالفريةِ.
(س/6)
أمّا
مسألةُ
الطردِ عند
النقشبنديةِ،
فليس أمرًا
بسيطًا كما هو
شائعٌ بين
الناس. إذ أنّ الطردَ
عند العامّةِ
هو الإبعاد
المحض. أي إذا
طردتَ شخصًا
من مكانٍ تكون
قد
أبْعَدْتَهُ من
تلك الساحة
بخلافِ ما قد
اصطلحتْه
الصوفيّةُ.
أمّا عندهم،
فالمريدُ إذا
طرده الشيخُ
أصبح مطرودًا
ومبعودًا من
باب اللهِ
أيضًا، ومن
باب رسوله...
وهو شقيٌّ من
أهل النار بعد
ذلك على
التأبيد.
ويحرم عليه
الجنّةُ وإن
قضى جميعَ
حيَاتهِ
ساجدًا لله
تائبًا إليهِ
ومستغْفرًا؛
فلا ينفعه
عملٌ صالحٌ
حتىَّ يرضى
عنه شيخُهُ (!)
وهذَا أشبه ما
يكون بقرارات
بابا (الزعيم
الروحيّ
للمذهب الكاثوليكي)
المعروفةِ
بالأفوروز Aphorose ضدّ
العصاة
المسيحيّينَ
هذا،
وليس من
الأمور
الخفية ما قد
جرتْ من مشاحناتٍ
مريرةٍ
وصراعٍ
متواصلٍ بين
مشايخ الطرق
الصوفيةِ في
المنطقة
الشرقية من
تركيا بسبب
اتّهام بعضهم
البعض الآخر
بأنّه مطرودٌ
من قِبَلِ
شيخه وأنّه لا
يجوز الإنابة
إليه. وكمثال
على ذلك: فإنّ
أسرة الشيخ
محمد
الكُفرويّ
ألْصَقَتْ
هذه التُّهمةَ
بالشيخ صبغة
الله
الحيزانيّ،
فأفضى ذلك إلى
عداءٍ شديدٍ
بين هاتين
الأسرتين
حتّى كانت
جماعاتٌ من
مريدي الشيخ
محمد
الكُفرويّ
تقصد من مدينة
آغري AĞRİ وتصل
إلى ضواحي
مدينة بدليس BİTLİS [3][3] بشقّ
الأنفس، حيث
بها ضريح
الشيخ صبغة
الله وخليفته
الشيخ عبد
الرحمن
التاغي
المعروف بين
معارضيه
بالشيخ
الطاغي،
كانوا يقومون
بمثل هذا
السفر الذي
يكلّفهم، لِمُجَرَّدِ
أن يبصقوا على
قبورهم وأن
يصبّوا على
أرواحِ
المدفونين في
هذهِ
المقبرةِ جامَ
غضبهم بأنواع
السّبِّ
والشّتمِ
واللّعنِ! وما
زالت هذه
العداوةُ
قائمةً بين
الأسرتين
منذُ مائةٍ
وخمسينَ
عامًا. كلُّ
ذلك أسفر عن
ادّعاء
الكُفروِيّينَ:
أنّ الشيخَ
صبغةَ اللهِ
الحيزانيَّ
اغتصب منصبَ
الخلافةِ في
الطريقة
النقشبندية،
وادّعى
وراثةَ عبد
الله الهكّاريّ
من غير
استحقاق،
بينما كان هو
في الحقيقة
خليفةَ
خليفتِهِ
(الشيخ طه)
الذي طرده من الطريقة،
وأعلن أنّه
دعيٌّ منتحلٌ
كذَّابٌ. ومعنى
ذلك: أنّ
الشيخ صبغةَ
اللهِ
الحيزانيَّ نازع
الشيخ
الكفرويَّ
على منصبه في
الطريقة وعلى
رتبته في
السلسلة
النقشبندية
بهذا الإدّعاء.
تلك السلسلة
التي يزعمون
أنها متّصلة برسول
الله صلّى
الله عليه
وسلّم(!)
ويعود
الخلاف بين
هذين الخصمين
إلى أنّ كلاهما
كانا خليفتي
الشيخ طه
الهكّاري،
والقصّة طويلة
لا محلّ لها
من الإعراب.
هكذا
فإنّ مفهوم
الطّردِ عند
ابن عابدين
العلاّمة
الفقيه (!) لا
يختلف عن
مفهومه عند
الباطنيةِ.
ونستنتج من
هذا: أنّ مَن
كان قد طرده
الشيخُ
خالدٌ، فإنّه
كان مطرودًا
عند الله في
اعتقاد ابن
عابدين...
إنّ مسألةَ
الطردِ عند
المقشبنديّينَ،
تتّضح بكلِّ
ما فيها من
دجلٍ وتضليلٍ
عَبْرَ
كلماتِ خالِدِ
البغداديِّ
بالذّات، في
رسالةٍ بَعَثَهَا
إلى مريديه في
إسطنبول،
يحذِّرُهُمْ
فيها مخالطةَ
رَجُلٍ
طَرَدَهُ من طريقتِهِ،[4][4]
وَيُهَدِّدُهُم
أنّه سوفَ
يقطعُ
هِمَّتَهُ
منهم، أي أنّه
لن يَمُدَّهم
بكراماتِهِ
في الدنيا ولا
بشفاعَتِهِ
عند اللهِ يومَ
القيامةِ إنْ
خالَطوهُ
واتَّبَعوُهُ،
كما يخبِرُهُم
بأنّ ذلك
الرجلَ
مطرودٌ. وأمّا
مفهوم الهمّةِ
عند
النقشبنديّين
فإنّه
مُعْتَقَدٌ
هامٌّ جداًّ
في طريقتهم،
وقد ذكروا
منها ما لا يُحصى
من حكايات
عريبةٍ من
طيِّ الأرضِ
لهم، ومشيِهم
على البحر،
وطيرانِهم
على أجنهة
السُحُبِ وأمثالِ
ذلك على سبيل
الاستشهاد
بكراماتهم... ومعنى
الهمّةِ
عندهم: أنّ
الشيخ يمدُّ
مريدَهُ متى
أصابته
نازلةٌ
فناداه، يقطع
مسافاتٍ شاسعةً
فيحضر عند
مريدِهِ
ويُنقِذُهُ
مماّ حلّ به
من البلاءِ.
وهذا
مقطعٌ من نصِّ
كلامِ خالد
البغداديِّ في
صدد همّتِهِ،
ورد ذلك في رسالةِ
ابن عابدين.
يقول
البغداديُّ:
»فألآنَ
أُخْبِرُكُمْ
بِأَنّي
وَجَميِعَ رِجَالِ
السِّلسِلَةِ
تَبَرَّأْنَا
مِنْ عَبْدِ
الْوَهَّاب،
فَهُوَ
مَطروُدٌ
عَنِ الطَّريِقَةِ،
فَكُلُّ مَنْ
تَصَادَقَ
مَعَهُ
لأَجْلِ الطَّريِقَةِ
فَلْيَتْرُكْ
مُصَادَقَتَهُ
وَمُكَاتَبَتَهُ،
وَإلاَّ
فَهُوَ
بَريءٌ مِنْ
إِمْدَادِ
هَذَا
الْفَقيِرِ،
وإمْدَادِ
السَّادَاتِ
الكِرَامِ،
ولاَ أرّضىَ أنْ
يُكَاتِبَنيِ
وَلاَ أنْ
يَسْتَمِدَّ
هِمَّتيِ
بَعْدَ وُصوُلِ
هَذَا
الْمَكتوُبِ
إِلَيْهِ...«[5][5]
نعم،
فإنّ ابن
عابدين
العلاّمة
الفقيه (!)
أيضًا كان يعتقد
بهذه
الخذعبلات.
ولعل هذا هو
من الأسباب التي
دفع ابنَ
عابدين إلى
هذا الميدان
حتّى اصبح
جنديًّا
يدافع عن قلعة
الصوفية.
يستطرد
ابن عابدين
قائلاً:
»فَعَلِمْنَا
أنّ ما ذَكَرَ
(أي هذا
الرّجلُ
المطرودُ)
كذبٌ وافتراءٌ.
ويستبعد ابن
عابدين بهذا
الرّأي الجازم
أن يكون الشيخ
خالد قد قال
شيئًا ممّا نُسِبَ
إليه (أنّه يقوم
بتسخير
الجنِّ،
ويستعين
بالأرواح الأرضية
الخبيثة،
ويدّعي علمَ
الغيبِ عن
إخْبار
الجانِّ له،
ويدّعي أنّه
قتل وربط
كثيرًا من
العفاريت
والجانِّ...). إذ أنّه
لو لم يكن
يخشى الله
لخشي العباد
أن ينحطّ قدره
على الأقل«. (ص/6)
كان هذا
لفظ ابن
عابدين
بالذّات!
ثمّ أشار
إلى »هذه
الإدّعاءات
الباطلهِ« على
حدّ وصفه
إيّاها: »فإنّه
ممّا تأنفه
الأسماع
وتمجحه
الطباع«
وبالاختصار
يقول ابن
عابدين: إنّ
الشيخ
إسماعيل المذكور
لم يقل كما
أخبر عنه كاتب
الرسالةِ،
وإنّما أفاد
أنّه كان يسمع
أصواتًا
خفيّةً، ولم ير
أحدًا أثناء
الذكر
والحلقة التي
يسمّونها: التّوجُّه.
(ص/7)
فأنا
تذكّرتُ هنا
أمرًا بهذه
المناسبة،
وهي أنّ مشايخ
الطريقة
النقشبندية
بالمنطقة
الشرقية في
تركيا كانوا
يقيمون
طقوسًا
غريبةً لا
يعرفها
المسلمون ولا
يعترفون بها،
ومن جملة هذه
الطقوس أنّهم
كانوا يعقدون
حلقةً خاصّةً
تختلف عن حفلة
(ختم خواجكان)،
ويسمونها
التوجُّه. ومن
الغريب أن
مشايخ هذه
الطريقة
بالمنطقة
الغربية لا
يعرفون عن هذه
العادة
شيئًا، رغم ما
يدّعون أنّهم
يتّصلون بتلك
السلسلة
المزعومة،
ورغم
اتّحادهم معهم
في الطريقة
والمشرب
والمُعتقد.
وهذا من الحجج
التي تدلّ على
عدم
استقرارهم
وبطلان دعواهم
التي لا تقوم
على أساس من
الحقّ.
ثم يسجّل
ابن عابدين
نصَّ رسالةٍ
كتبها الشيخ
إسماعيل
المذكور،
يتبرّأ فيها
كاتبها عمّا
أُسنِدَ
إليه، كما
يعتزّ بشيخه
خالد
النقشبنديّ،
ويمتدحه
مدحًا
طويلاً، ثمّ
يتبرّأ من كلّ
مَنْ يتوهّم
السحر أو
الكفرَ أو
الفسقَ أو البدعة
في حقّ شيخه.
كذلك يتبرّأ
خاصّةً من
كاتب الرسالة
التي طعن بها
في شيخه،
وسمّاه هنا، بعد
أن امتنع من
ذلك عبر
حديثه، فقال: »لاسيّما
من المنكر
المطرود الذي
اسمه عبد الوهّاب...«. (ص/8)
لقد كنتُ
في قلقٍ منذ
بدأت أتصفّح
رسالة (سلّ الحسام
الهندي)، هذه
التي
تَنَاوَلْتُهَا،
وَاتَّخَذْتُهَا
موضوعًا
لِبَحثي
ودراستي حول
الطريقة
النقشبندية،
كنتُ في قلقٍ
لأتعرّفَ على
اسم هذا الشخص
الذي سلّ ابن
عابدين
الْحُسَامَ
عليه لينتقمَ
منه عن خالد البغداديّ،
ولكنّه لم
يذكره ألاَّ
بالضمائر استخفافًا
به، حتّى
وصلتُ إلى هذا
المقطع من الكتاب،
فوجدتُ
اسمَهُ
مذكورًا في
رسالةٍ أُخْرىَ
منقولةٍ ضمنَ
سطورِ ابن
عابدين. وهذا يعني
أنّ ابنَ
عابدين، بلغ
منه الغضبُ
على هذا الشخص
حتّى جعله
يكره أن يذكر
اسمه في كتابٍ
لم يدوّنه
إلاّ ليملأه
باللّعن عليه.
وبذا عرفنا
أنّ ذلك الشخص
الّذي اصبح
غرضًا لسيف
ابن عابدين
اسمه (عبد
الوهّاب
السوسي).
ويدّعي الشيخ إسماعيل (على حدّ قولِهِ): أنّ عبد الوهّاب، هذا الطاعن في خالد البغدادي: »قد بنى فضولَهُ على خبرِ قصّةِ الشيخ إسماعيل بالذّات عليه (أي على عبد الوهّاب السوسي)، فيكون عبد الوهّاب قد تصرّف فيم