الطَّرِيقَةُ  النَّقْشَبَنْدِيَّةُ

بَيْنَ مَاضِيهَا  وَحَاضِرِهَا

 

*** !!!***

 

تأليف

فريد صلاح الهاشمي

Feriduddin AYDIN

feriduddin@gmail.com

 

 

 

الْعِبَر  للطباعة والنشر

إسطنبول –  2008 م.

 

مُقَدِّمَةُ النَّاشِرِ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنّ هذا الكتاب  يضمّ بين دفّتيه دراسةً هامّةً في معرض فرقةٍ من الفِرَقِ الصوفيّة. لقد بذل المؤلّف جهدًا بالغًا في سبيل هذه المهمّة، فانطلق بعزيمة الباحث المدقّق المنظّم في أعماله. لا غرو إنّه من فُرْسَانِ هذا الميدان. فَنَذَرَ من وراء هدفه أغلى أيّامه منذ عنفوان شبابه وهو يتباحث من غير مَلَلٍ، ويطارد المصادر، ويجمع الوثائق، ويطالع وينسّق ويسجّل ويسهر عليها، حتّى أثمر سعيه المتواصل عن هذا السِّفْرِ الجليل. كلّ ذلك ليكشف العَتَمَةَ عن أهمِّ سببٍ من تلك الأسباب الّتي أحاطتْ بالمسلمين منذ قرونٍ فَعَرْقَلَتْهُمْ، وحالتْ دون تَقَدُّمِهِمْ، وشَوَّهَتِ الْكَثِيرَ من جمال الإسلام.

 

تُقَدِّمُ هذه الدِّرَاسَةُ ما تُقَدِّمُ من معلوماتٍ تفصيليّةٍ مُنَظَّمَةٍ وَمُوَثَّقَةٍ مع ذكر مصادرها والإشارةِ إلى أرقامِ الصفحاتِ لكلّ نصٍّ منقولٍ منها، وأحيانًا مع تَرْجَمَتِهَا. وذلك تسهيلاً للباحثين ورجالِ العلمِ في مهامّهم عند مراجعتها.

 

ليس الهدف من تقديم هذه الدراسةِ إلى جماهير المسلمين إلاّ إِعلامَهم عن حدثٍ هامٍّ من واقع تاريخهم، غفلوا أو تغافلوا عن حقيقتها؛ ليستبصروا نتائجَهُ من خلال بحثٍ علميٍّ رصين، ووثائِقَ مضبوطةٍ؛ وليتمكّنوا بذلك من مقارنة الإسلام الّذي نفهمه من الكتاب والسنّة، مع الإسلام الّذي اخْتَلَقَتْهُ الْعَقْلِيَّاتُ الْمُتَطَرِّفَةُ عَبْرَ عصور الظّلام. عسى أنْ يستوحيَ منه العبرةَ كلُّ مَنْ يطّلع عليها من أهل الإيمان والإخلاص؛ وأنْ يتحمّلَ المسئوليّةَ لإحياء أمّة الإسلام ثانيةً بعد أنْ اختفتْ بمقتلِ آخرِ الخلفاءِ الراشدين.

 

ونتضرّع إليه تعالى أنْ يبارك في خطوات كلّ مؤمن مخلص يسعى إلى تحقيق هذه الغاية العظمى بدءًا بِالْفَهْمِ الصحيح مع العلم التامّ؛ بأنّ من أراد عملاً يتقرّب به إلى الله تعالى مما لم يُشَرِّعْهُ الله ورسولُهُ فهو مردودٌ ووبالٌ على صاحبه. هذا وتُقَدِّمُ مؤسّستنا شكرَهُ وتقديرَهُ لمؤلّفِ هذا الكتابِ فضيلةِ الشيخ فريد الدين بن صلاح بن عبد الله بن محمّد الهاشمي المعروف بلقبه الخاص: Feriduddin AYDIN في تركيا؛ وبالله التوفيق. 

 

 الْعِبَر

للطباعة والنشر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّف

P

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

إنّ كثيرًا من المسلمين - وحتّى العلماءَ والباحثين -، تَنَكَّرتْ لَهُمْ الطريقةُ النقشبنديّة عَبْرَ الْقُرُونِ فَلَم تتعدَّ مَعْرِفَتُهُم المعلوماتِ المحدودةَ، والملاحظاتِ البسيطةَ، حَولَ هَذِهِ النِّحْلَةِ، غالبها لا تتّصف بالعلميّة والواقعيّة، بالرغم من انتشار هذه الطريقة بين عشرات الملايين من الناس في الشرق الأوسط.

 

لم أستغرب هذه الحقيقةَ منذ عَلِمْتُهَا. لأنّي ولدتُ ونشأتُ في أسرةٍ ذات شهرةٍ واسعة النطاقِ، تتمتّع بالزعامة لقطاعٍ كبيرٍ من هذه الطائفة الصوفيّة. وبالتالي كنتُ على علمٍ بأنّ جانبًا خاصًّا من التفسير الروحانيِّ لعقائدها، لا يقف عليه أحدٌ بسهولةٍ؛ إلاّ عددًا من شيوخها المتمتّعين بصفاتٍ مخصوصةٍ، ومُلزَمين بعهودٍ باطنيّةٍ مستورةٍ، أخذها عليهم أسْلاَفُهُمُ الّذين قلّدوهم أزِمَّةَ هذه الطائفة، وهم قليلون جدًّا.

 

فلمّا وجدتُ تفاوتًا كبيرًا واختلافًا كثيرًا بين معتقداتِ شيوخِ هذهِ الفرقةِ، وتأكّدتُ من أنّ المشهورين منهم يتواطئون علي إخفاء شطرٍ مِمّا في صدورهم...وَكِتْمَانِهِ عن بقيّة الشيوخ، فضلاً عن جماعة المريدين من الطّبقة العامّيّةِ، بدأتُ أشكُّ في أمرهم؛ وخاصّةً عندما ثَبَتَ لي بالتّحقيق، وَرَأَيْتُهُمْ يطعنون في كلّ مَنْ يحارب عقيدةَ الشّركِ، ويعادونه، ويقفون منه موقفَ المؤمنِ من الكافر، أو ربما بالعكس، زادني الشّكُّ فيهم وتضاعف مع الزّمان حتّى دفعني الأمرُ أنْ انطلقتُ باحثًا حقيقةَ ما توارى خلف الصورة الظاهرة لهذه الفرقة من أمورٍ خطيرةٍ لا يمكن الإطّلاع عليها لأجْنَبِيٍّ بطرائِقَ عادية، والنّاسُ كُلُّهُم أَجَانِبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. تؤكّد عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَثَائِقُهُم وَطُقُوسُهُم...

 

ولهذا، أرى المناسبةَ للإشارة إلى أنّ مشاهير الباحثين في الطريقة النقشبنديّة وهم بالتحديد: الأستاذ الدكتور حميد آلغار، والأستاذ الدكتور بطرس أبو مَنَّهْ، والأستاذ الدكتور شريف ماردين، والشيخ عبد الرحمن الدمشقيّه؛ لم يقفوا على كثير من جوانب هذه الطريقة، بالقدر الّذي تمكّنتُ أنَا بعون الله من الإحاطة بها. فدرستُ تاريخَها، وعقائدَها، واتّجاهاتِها، وتطوّراتِها بعمق ومن خلال وثائقها والاتّصال بصناديدها المعاصرين بحكمةٍ وجرأةٍ وصبرٍ إلى ما شاء الله أنْ فرغتُ من هذه الدراسة بعد ثلاثة وعشرين عامًا.

 

فَمِنْ واقع إِيمَانِيَ الراسخِ بِأَنَّ اللهَ سَبْحَانَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ مُتَفَرّدٌ بِالْكَمَالِ وَمُنَـزّهٌ عَنْ سِمَاتِ النقص والزوال، وَمِنْ وَاقِعِ تَخَصُّصِي فِي آدَابِ الطَّرِيقَةِ النقشبنديّة لِمَا آلَتْ إِلَيَّ الْخِلاَفَةُ الْعُظْمَى فَتْرَةً مِنَ الزّمَنِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْحَزِينِيّةِ الخالديّة مِنْهَا، بَعْدَ اتمامِ السَّيْرِ وَالسُّلُوكِ تحت رَقَابَةِ مَنْ أَقَامَنِي فِي هَذَا الْمنصب وَإقْرَارِهِ بذلك، وَلَمَّا تَبَرَّأْتُ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ وَأَبَاطِيلِهَا، رَايتُ من الواجب الحتميّ أنْ أقولَ كلمةً عسى الله تعالى أنْ يُنقِذَ بِهَا مَنْ وَقَعَ في أوحالِ الشِّرْكِ والضَّلاَلِ، بالانخراطِ فِي سلكِ هذه الطريقةِ؛ وَمَا عَلَى الرسول إلاَّ البلاغ، وَ منْ أبَى فَعَلَيْهِ الوزرُ والْوَبَال.

 

وبهذه المناسبةِ، مِن الجدير بالإشارة إلى أنَّ مُحْتَوَى هذا الكتابِ لا ينحصر في حدودِ التعريفِ بالطريقة النقشبنديّة فَحسب، بل يتعدَّى أحيانًا إلى تفصيلاتٍ دقيقةٍ جانبيّةٍ لها علاقةٌ عضويّة بالساحةِ الّتي تركتْ هذه الطريقةُ فيها أنواعًا من تأثيراتِها  فتغيّرتْ بها عقليّةُ المجتمعِ وعَقِيدَتُهُ وَنَظْرَتُهُ إلى الإسلامِ والمسلمين. فإذن لهذا العمل دورٌ كبيرٌ في دعم دراساتٍ وبحوثٍ قد يقوم بها رجالُ العلمِ في المستقبل، وبخاصّةٍ منها ما سوف يتناول الساحةَ التركيّة من وَاجِهَاتٍ إجتماعيّةٍ وتاريخيّةٍ وسياسيّةٍ بِعكوسها ومستجدّاتِهَا المختلفة، علمًا بأنَّ الواقعَ البادِيءَ الّذي يَلْمِسُهُ الدّارسُ والباحثُ على هذه الساحةِ في الْوَهْلَةِ الأولى، ليس هو هذا التّيّارَ الصّوفِييَّ مباشرةً؛ لأنّ الطريقةَ النقشبنديّة بِطُقُوسِهَا وتَعَالِيمِهَا وهيئتِهَا النّظَامِيَّةِ ليستْ هِيَ الّتي في الصّورةِ. بل كلّ هذه النّواحي خفيّةٌ، مستورةٌ، ومحصورةٌ في نطاقِ التَّكَايَا والبيوتاتِ والخلايا. وإنّما الميّزات الملموسة من واقع حياةِ الشعبِ التركيّ، هي الملامح الّتي انعكستْ ولا تزال تنعكس عن تعاليم هذه الطريقةِ وتوجيهاتها.

 

فقد رتّبْتُ الكتابَ على خمسةِ فصولٍ. بدأتُ بنقل ما تيسّر من تاريخ هذه الفرقة والتّطوّرات الّتي حدثتْ في تعاليمها من مرحلةٍ إلى أخرى، وذلك في الفصل الأوّل؛ وشرحتُ عقائدَها وَطُقُوسَهَا، وَمَا اسْتُحْدِثَتْ لَهَا عَبْرَ الْقُرُونِ من آدابٍ وأركانٍ ومناسكَ، وذلك في الفصل الثاني؛ وذكرتُ مَا وُضِعَتْ لَهَا من مفاهيمَ ومصطلحاتٍ هامّةٍ، في الفصل الثالث؛ ونقلتُ تراجمَ رجالِها في الفصل الرابع؛ وَأَثْبَتُّ عُكُوسَهَا على الحياة الاجتماعيّة وما تمخّض عنها من  تأثيراتٍ مختلفة على عقليّة المجتمع وثقافته وسلوكه ضمن الفصل الخامس؛ وَضَمَمْتُ إلَى الكتابِ أَخِيرًا نصَّ تَقْرِيرٍ تَلَقّيْتُهُ مِنْ جامعةِ أمّ القُرى الْكائِنَةِ بِمَكَّةِ المكرّمة، يُقَدِّمُ نتائِجَ هامّةً أثْبَتَهَا العلماءُ بعد مراجعةٍ دقيقةٍ لهذا العمل. ثم أتبعتُها بفهارس غنيّةٍ: الأوّل منها، لأسماء الأعلام؛ والثاني للمصطلحات والمفاهيم والتعبيرات الخاصّة المبعثرة في ثنايا الكتاب، مع ذكر أرقام الصفحات الّتي وردَتْ فيها كلاًّ على حدة؛ والثالث، لأسماء الأماكن من الْمُدُنِ والمناطق؛ والرابع، للمراجع الّتي اطّلعتُ عليها، سواء نقلتُ منها أو لَم أَنْقُلْ. كلّ منها مُعَدٌّ بِتَرْتِيبٍ مُعْجَمِيٍّ. وما ألوتُ جهدًا ولا ادّخرتُ وُسْعًا في ركوب كلّ صَعْبٍٍ وَذَلُولٍ للحصول على أدنى وثيقةٍ تمتُّ بهذه الفرقة، فوقفتُ على كثير منها؛ خاصّةً وأنَّ معرفتي باللّغتين الفارسيّة والتركيّة أغْنَتْنِي عن الحاجة إلى غيري في دراسة وثائقهم الّتي غالبها مُدَوَّنَةٌ بِتِلْكُمَا اللّغتين. لأنّ الأكثريّة العظمى للنقشبنديّين هم من عَنَاصِرَ غيرِ عربيّةٍ.

 

احتسبتُ لله تعالى فِي احتمالَ الْعبءِ الثقيل لهذه الدراسةِ الهامّة راجيًا عفوَه. ولم يكن قصدي من هذا الإقدامِ إلاّ إظهارَ ما قد بَقِيَ خافيًا على غالب المسلمين من أمورٍ خطيرةٍ  اُسْتُحْدِثَتْ باسم الدِّينِ ونُسبتْ إلى الإسلام. فَأَرَدْتُ عرضَها على علماء هذه الأمّة ليروا فيها رأيَهم، وليتمكّنوا بذلك من تصحيحِ الفاسدِ ممّا اعْتَقَدَهُ جُمْهُورٌ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ، وظنّوه من عقائد الإسلام.

 

 وقد أجريتُ هذه الدراسةَ بأسلوب نقديٍّ وتحليليٍّ. وهذا لا يعني أنّي ضربتُ عن الموضوعيّة صفحًا. يبرهن على ذلك ما نالَتْ من القبولِ والإعجابِ لَدىَ نُخْبَةٍ من العلماءِ، خَاصّةً منهم الفاضل الأسْتَاذ محمّد نافع المصطفى - عضو الهيئة التدريسيّة بجامعة الشارقة -، الَّذي قامَ بِمُرَاجَعَتِهَا. فجاءت مُنقّحةً خَالِيَةً من العيوبِ والأخْطَاءِ اللُّغويَّةِ بفضله. كذلك الأستاذ الشيخ لطف الله بن عبد العظيم خوجه، رئيس قسم العقيدة الإسلاميّة بجامعة أمّ القُرَى، فلهما الشُّكْرُ الْجَزِيلُ، وجزاهما الله تعالى خيرًا. فانتهتْ تلك المسيرةُ الطويلةُ والجهودُ المبذولةُ هكذا بتوفيق الله تعالى وأثمرَتْ بهذا السِّفْرِ الّذي بين يدي القارئِ. عسى أنْ يجدَ فيه الباحثون ورجالُ العلم ضالّتَهم، كما أرجو الله تعالى أنْ يجعل منه بصيصَ نورٍ يستضئُ به كلّ مَنْ واجه عَقَبةً تصدّه عن سبيل الله وهو لا يقصد إلاّ الهداية والحق.

 

والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

                                                                                                                 فريد الدين   آيدن

                                Feriduddin AYDIN  

إسطنبول./يونيو/1997م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

 

* النقشبنديّة؛ ظهورُها، وتطوّرُها، ومناطقُ انتشارِها.

* أهم الوقائع الّتي أسفرت عن ظهور الطريقة النقشبنديّة.

-----------------------------

* السبب الأول................................................................................................................................

* السبب الثاني.................................................................................................................................

* السبب الثالث..............................................................................................................................

* السبب الرابع...............................................................................................................................

* السبب الخامس............................................................................................................................

* السبب السادس...........................................................................................................................

* التغيُّرات الّتي طرأت على هذه الطريقة التركيّة...................................................................

* المناطق الّتي انتشرت فيها الطريقة النقشبنديّة ودواعي انتشارها ....................................

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

* النقشبنديّة؛ ظهورُها، وتطوّرُها، ومناطقُ انتشارِها.

 

النقشبنديّة طريقةٌ صوفيّةُ تُنسب إلى رجل اسمه محمّد بهاء الدين البُخَاريّ المولود عام 717 من الهجرة، والمتوفى سنة 791هـ. وسيأتي ذكره بالتفصيل في الفصل الرابع إنْ شاء الله تعالى.

 

أما لفظ »نقشبند« فهو مصطلحٌ فارسيٌّ مركّبٌ من كلمتين: إحداهما عربيةٌ؛ وهي »نقش« والثانية فارسيةٌ، وهي »بند« (بفتح الباءِ وسكون النّون والدال).

 

وكان يُطْلَقُ اسم »نقشبند« على الرسّام والنقّاش الّذي يعمل الوشي والنمنمة على الأقمشة في اللّهجة التركيّة القديمة. والمناسبةُ في أخذ هذه الكلمة وإطلاقها على هذه النحلة واضحةٌ. ذلك، يزعمون أنّهم يسعون إلى نقش محبة الله في قلوبهم بالذكر المتواصل والسلوك المأثور من سادتهم، ولربما هذا اللّقب لم يكن قد أُطلق على محمّد البُخَاريّ في حياته، ولا طريقتُهُ كانت مشهورةً بهذا الاسم. ذلك من ميّزات الطرُقِ الصوفيّة أنّها غير مستقرة. فتتغّير أسماؤها من بُرْهَةٍ إلى أخرى. وتتبدّل آدابها وأركانها على حسب ما يرى كُبَرَاؤُهَا، وهي شبيهة بالسيل الجارف الّذي يحمل الغَثّ والسمين عَبْرَ مسيله، كما سيأتي تفصيل هذه الطبيعة للطّرق الصوفيّة عامّةً وللنقشبنديّة خاصّة في بابه إنْ شاء الله تعالى.

***

 

 

 

* أهمُّ الأسبابِ الّتي لها أثر على ظهورالطريقة النقشبنديّة

 

لا شكّ في أنّ مفهمومَ التّصوّف لم يكن شيئًا مذكورًا في عهد الرسول r، ولا في عهد الصحابة رضي الله عنهم. فلم نجد في ما ورد عن النبيّ u، أنّه نطق بكلمة التصوف ولا صحابته. أمّا بقيّة مصطلحاتِ الطّرَائِقِ الصوفيّة وَآدَابُهَا وَأرْكَانُهَا وَمَقُولاَتُهَا الفلسفيّة مثل الرَّابِطَةِ والختم الْخُوَاجَگَانِيَّةِ[1]، واللّطائف الروحانية، وتعداد ألفاظ الورد بالحصى أو بالمسبحة وبكميات معينة، وحبس النفَسِ أثناء الذكر، والمبادئ الأحد عشر، وفكرة وحدة الوجود ووحدة الشهود وما إليها، فإن رسول الله r يستحيل أنْ يكون قد أشار إلى شيء منها. وفي هذا برهان قاطع على براءة الإسلام من التصوّف، كما يدلّ على أنّ الصلة المزعومة بين التصوّف والإسلام لا تقوم على أساس من الصحة.

 

أما الّذين ربطوا التصوّف[2] بأهل الصُّفَّةِ فلا حجّة لهم في إثبات ما ادّعوه بتاتًا. فمنهم من تعمّد ذلك عن حظِّ نفسٍ، وَاتِّبَاعِ هَوًى، ومنهم من اغترّ بغيره عن جهل فاخطأ، ولم تكن دعواهم في ذلك إلا أنْ يجعلوا للتّصوّف أساسًا من الزهد والتقوى. وهما روح الإسلام ومخه، إلا أنّه شتّان بين التصوّف والزهد والتقوى، وما بينهما بُعْد السماء عن الأرض.

 

لقد طال الجدل بين العلماء قديمًا وحديثًا، وبذل الباحثون جهدًا بالغًا في مسألة اشتقاق كلمة التصوّف ومصدر هذه الحياة الروحانية ممّا يُغْني ذلك عن إضافة كلام آخر إلى ما قد كتبوه وصنّفوه في هذا الباب، إلاّ ما سوف يقتضي ذكره بالقدر اللاّزم في مواطنه. فَيكفي التركيز في هذا الفصل على أهمّ الأسباب الّتي قد مَهَّدَتْ السبيلَ لوجود ظروفٍ مُلائمةٍ أولدَتْ الطريقةَ النقشبنديّة، وذلك على سبيل الإيجاز.

 

* السبب الأوّل منها، يرجع إلى حدث عظيم شاهده آباء الأتراك الأوّلون قبل أربعمائة وخمسين عامًا من تأسيس هذه الطريقة على أيدي أحفادهم. ألا وهو اعتناقهم التقليديُّ للدّين الإسلاميّ وتصرّفهم فيه.

 

إذن ينبغي أولاً أنْ نرجعَ إلى هذا الْحَدَثِ فَنَتَنَاوَلَهُ بنظرِ الباحثِ المدقّقِ حتّى تتبَلور لنا نتائجُهُ الّتي أسفرتْ عن اختلاقِ مُعْتَقَدَاتٍ خطيرةٍ وظهورِ نزعاتٍ غريبةٍ على الإسلام. ولكن تبنّاها رجالٌ، وتشرّبتْها عقولٌ، واعتنقَتْها جماعاتٌ وطوائفُ، واحتسب في الدفاع عنها آلافٌ مؤلّفةٌ من الناس عَبْرَ الأجيال من هذا الشعب.

 

لقد ورد في المصادر الّتي صنّفها علماءُ الأتراك بالذّات؛ أنّ الإسلام انتشر بين صفوف الّذين اعتنقوه من آبائهم الأوّلين بغير الوجه الّذي انتشر بين غيرهم من الشعوب والأمم. فاختلف فَهْمُهُمْ لهذا الدّين بعكس ما أدركه العربُ وعلِموه وتذوّقوه وتعاطوه عقيدةً وسلوكًا. وهذا أمر جدير بالبحث الدقيق في جوانبه الّتي لم يتوقّف عليها كثيرٌ من علماءِ التاريخِ وخُبَرَاءِ علمِ الاجتماع. لقد كان اعتناقُ الأتراك للإسلام أمرًا غريبًا من مُنْطَلَقِ العاطفة، وليس عن رويّةٍ. يبرهن على ذلك إقبالهم على الدِّينِ الجديد عن طيبة نفسٍ، دون أنْ يتحسّسوا معالِمَهُ. ذلك أنّ اختلافَ لغتهم، وسذاجةَ طباعهم، وبساطةَ عقولهم لم تسمح لهم يومئذٍ ليتأكّدوا من أحكام هذا الدِّينِ وضوابطهِ التي يحدّدُ موقفَ العبدِ أمامَ ربّه على أساسِ مَبْدَأِ التوقيفية. ولكنّهم لمسوا الإسلامَ وكأنّه نسيمٌ يهبّ من رياض الجنّةِ على نفسهم لتطمئنّ بها اطمئنانَ المسافر في لحظات نزولِهِ العابِرِ، فاستقبلوه كمصدرٍ للتسلية والعزاء والدُّعَاءِ والابتهال والاتصال بأرواح الآباء. فما لَبِثَ هذا الدِّينُ حتىّ امتزج بعقائدهم القديمة، فتحوّل إلى طرائق صوفيةٍ وطقوسٍ روحانيةٍ وتَمَائِمَ وألْغَازٍ وشعوذةٍ وحلقاتِ ذكرٍ موروثةٍ من مجوس الهندِ، وخرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان. فنشأت الطريقة النقشبنديّة كنتيجةٍ تمخّضت عن هذه التطوّرات، حتّى فَصَلَتْهُمْ عن الإسلام وأبعدَتْهُمْ عن حقيقة الإيمان بالله وتوحيده. ولهذا حار المُصْلِحُونَ ورجالُ الإرشادِ في مكافحة الفساد والبدع الّتي انتشرت بين الأتراك والطوائف التابعة لهم من الأكراد والظاظا والشراكسة والبوشناق والأقلية العربيّة في العصر الحاضر، من جرّاء الطريقة النقشبنديّة. لأنّ الإصلاح يتوقّف على معرفةِ أسبابِ الفسادِ وجذوره وطرق انتشاره وضروب كفاحه... وإنّما بهذا النّوع من المعرفة يتمكّن الْمُصلِحُ من كشفِهِ وتعرِيَتِه وقَمْعِهِ. فما دام المعروفون بِسِمَةِ العلم والقائمون بمهمّة الدعوة والإرشاد؛ مادام هؤلاءِ أنفسهم يجهلون مسيرةَ فساد شعبهم العقديّ خلالَ الأزمنة التاريخية، إذن فلا يُعقل أنْ تكون لهم قدرة على تصحيح ما قد فسد من عقائد بني قومهم ولو بذلوا قصارى جهودهم بمجرّد النكير على البدع والأباطيل.

 

نعم، لقد غفل كثيرٌ من رجالِ العلمِ عن كيفيةِ اسلامِ الأتراك، ومدى ادراكِهِمْ لِحقيقةِ هذا الدِّينِ في أوّل أمرهم معه، وعلى أيّ دينٍ كانوا قبل ذلك، وهل عَلِقَتْ بهم معتقداتٌ من دياناتهم السابقة وأبقتْ أثرًا في طوائفهم التي دخلت تحت حكمهم وسلطانهم وما إلى ذلك من أمور...

 

لقد ثبت بالدلائل القاطعة أنّ الغالبيّة العظمى من الأوّلين الّذين أسلموا من هؤلاء القوم لم يدخلوا سَاحَتَهُ عن روّيةٍ، ولم يتلمّسوه بتدبُّرٍ، ولم يتلقَّوا تعاليمه بتعقّلٍ وإمعانٍ. وإنّما أقبلوا عليه إقبالَ القطيع الظمآن على الماء العذب الفرات وقد أضناه العطش، فما ك&